إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1154

زهر الآداب وثمر الألباب

[ من مقامات بديع الزمان ] ومن إنشائه في مقامات أبى الفتح السكندرى : حدّثنا عيسى بن هشام قال : حدانى إلى سجستان أرب « 1 » ، فاقتعدت طيّته ، وامتطيت مطيّته ، واستخرت اللَّه تعالى في العزم حدوته أمامى ، والحزم جعلته قدّامى ، حتى هداني إليها ، ووافيت دروبها « 2 » ، وقد وافت الشمس غروبها ، واتفق المبيت حيث انتهيت ؛ ولما انتضى نصل الصباح ، وبرز جبين المصباح ، مضيت إلى السوق أتّخذ منزلا ، فحيث انتهيت من دائرة البلد إلى نقطتها ، ومن قلادة السوق إلى واسطتها ، خرق سمعي صوت له من كلّ عرق معنى ، فانتحيت وفده ، حتى وقفت عنده ؛ فإذا رجل على فرسه ، مختنق بنفسه ، قد ولَّانى قذاله وهو يقول : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي ، أنا باكورة اليمن ، أنا أحدوثة الزمن ، أنا أدعيّة الرجال ، وأحجيّة ربات الحجال « 3 » ، سلوا عنى الجبال وحزونها ، والبحار وعيونها ، والخيل ومتونها ، من الذي ملك أسوارها ، وعرف أسرارها ، ونهج سمتها ، وولج حرّتها ؟ وسلوا الملوك وخزائنها ، والأغلاق ومعادنها ، والعلوم وبواطنها ، والخطوب ومغالقها ، والحروب ومضابقها ، من الذي أخذ مختزنها ، ولم يؤدّ ثمنها ؟ ومن الذي ملك مفاتحها ، وعرف مصالحها ؟ أنا واللَّه فعلت ذلك ، وسفرت بين الملوك الصّيد ، وكشفت أستار الخطوب السّود . أنا واللَّه شهدت حتى مصارع العشّاق ، ومرضت حتى لمرض الأحداق ، وهصرت الغصون الناعمات ، وجنيت جنى الخدود المورّدات ، ونفرت عن الدنيات نفور طبع الكريم عن وجوه اللئام ، ونبوت عن المحرمات نبوّ سمع الشريف عن قبيح الكلام ، والآن لما أسفر صبح المشيب ، وعلتنى أبّهة الكبر ، عمدت

--> « 1 » حدانى : بعثني ، والأرب - بالتحريك - الحاجة ( م ) « 2 » الدروب : جمع درب ، وأصله الطريق الموصل إلى بلاد الروم ( م ) « 3 » الأدعية والأحجية : الكلام الذي يخالف معناه لفظه ( م )